مفهوم الفشل الدراسي : مدلولات تعدد التسمية واضطرابها

للفشل الدراسي مدلولات تعددت فيها التسمية واضطربت، فقد ارتبط لدى كل التربويين "الفشل الدراسي" بمفهوم التعثر الدراسي الموازي إجرائيا للتأخر، التخلف واللاتكيف الدراسي وكثير من المفاهيم التي تلاقى تاريخها والتي تعمل في سبيل جعل  سوسيولوجيا التربية أداة  لوضع الملمس على الأسباب الداخلية للمؤسسة التربوية من خلال إنتاجها للامساواة، تهم بالخصوص التطبيقات البيداغوجية.

إلا أن مصطلح الفشل الدراسي له نهائية مدلول ضمني حيث أن استعماله يؤدي إلى افتراض أمر واقع ونهائي يتجلى في فشل تام عن متابعة الدراسة، ويقوم مثل هذا الافتراض على أساس الاعتقاد في أن حالة الفشل  الدراسي غير قابلة للتعديل والتصحيح  بعكس الأثر الإحالي الذي يوحي به مصطلح " التعثر الدراسي" أو غيره دون اعتبار الأثر الضعيف للقاسم المشترك لكل المفاهيم من حيث حضور الآليات البيداغوجية والديداكتيكية التي تتحكم فيها المدرسة لمعالجة أسباب التعثر الدراسي حيث السبب مشخص والعلاج محدد يتوجه بالتحديد إلى الإجابة على أسئلة عريضة مثل من يدرس؟ ماذا ندرس؟ كيف ندرس؟

إن للصورة المتطورة لمفهوم الفشل الدراسي التضمينات المهمة داخل سوسيولوجيا التربية من حيث اهتمامها بالمؤسسات التعليمية كمنشآت اجتماعية أنشأها المجتمع لتحقيق حاجات محددة تطبع به الأفراد تطبعا اجتماعيا يجعل منهم أعضاء منسجمين مع واقعهم الاجتماعي صالحين لتوسيع علاقات الأنا مع الآخر والانسلاخ عن مركزية الأنا من الناحية العلائقية والاجتماعية في آن واحد.

وتدخل المدرسة من خلال هذا التعريف ضمن ما سماه (كيلباتريك –Kilpatrick) بـ "التنظيمات الاجتماعية التي تحدد وظائفها في تنظيم علاقة الأفراد بعضهم البعض بهدف تحقيق حياة أفضل" (1)

لا ينفصل مفهوم الفشل الدراسي عن مقابله "النجاح الدراسي" من حيث أن انعدام الأسباب التي تؤدي إلى النجاح الدراسي لها الإحالة العميقة على دائرة الانحرافات التي فرضها الفشل الدراسي كنتيجة سلبية غيرت من خريطة استهلاك هذا المفهوم داخل الأوساط التربوية، من تمّ  فالفشل الدراسي ليس  سوى نتيجة  للقاعدة التي نعطيه لها.

لا أقصد هنا أن أفصل  بين المفهومين، فهما وجهان  لعملة واحدة. فكل ما هو فشل دراسي يحقق وضعية قابلة للعلاج انطلاقا من إصلاح شامل للمنظومة التربوية عبر إصلاحها من الوجهة الاقتصادية والسياسية والثقافية. أما كل ما هو تعثر، تأخر، تخلف أو لا تكيف دراسي فهي وضعيات قابلة للتدخل بشكل فوري داخل الوسط المدرسي، أما فيما يتعلق بمفهوم النجاح المدرسي فهو يعكس الوضعية المريحة للنسق التربوي والمؤسسة الاجتماعية التي تحقق  أهدافها في ظل النظام الثقافي السائد.

يدخل الطفل المدرسة وكله تساؤلات:

- هل تستطيع المدرسة أن تنقل حقائق العالم الذي يعيش فيه؟ بالمقارنة مع العالم الذي يلج به عالم المدرسة ولا يتركه وراء ظهره من : قواعد للسلوك معينة، المؤثرات الاجتماعية منذ الولادة، مهارات اجتماعية، عادات لغوية ... حيث يستجيب المتمدرس للمواقف التربوية على أساس مرجعياته الثقافية الأولى والتي تؤثر في شخصيته بالشكل الذي يصعب معه تفكيك الزمن الموروث داخل المدرسة.

وإذ نجد الانتقادات العميقة لعلم الاجتماع وخصوصا لسوسيولوجيا التربية وأسباب سيرها البطيء نحو مواقع متقدمة تجعل لها مركزا مستقرا لاستيعاب الأفكار وإنتاج عالم الأجوبة لزمن لا زال لم يتوقف ولم ينتهي.

نجد أن البحث السوسيولوجي للمسألة التربوية يتخطى الآن البدايات الصعبة نحو تأسيس أرضية نظرية لها  علاقة جدلية بالتطبيق. يقول ج. ف. نيللر :

"إن التربية مهنة تتوسل بالنظرية من أجل خدمة التطبيق".

وقد تجد التربية عالم من الأجوبة التي تبتكر العالم من جديد في علم الاجتماع الذي إذ يقلق يهدم النموذج القائم لإبداع آخر يتناول فيه الواقع المحلي بدءا من الإنسان ذاته مرورا بالمؤسسات الاجتماعية، الاقتصادية والسياسية وانتهاء بالنمط الإيديولوجي لتحقيق دوام واستمرار المجتمع عبر التربية.

حينما يركز هذا التصور (التصور السوسيولوجي للتربية) في تحليله للمسألة التربوية، على بعدها الاجتماعي، فإنه لا ينبغي أن يفهم من ذلك اختزال هذه المسألة في بعد واحد ووحيد من أبعادها وإغفال جوانبها الأخرى، فهي –كما هو معروف- من الغنى والتعقد بحيث تستلزم وعيا نظريا ومنهجيا بكل مكوناتها وأبعادها الاجتماعية والسيكولوجية والاقتصادية ...الخ.(2)

http://educ.maktoobblog.com/?post=87425

في سوسيولوجيا الفشل الدراسي

لنبدأ من سؤال في الماهية، ما هو الفشل الدراسي؟ هل هو نتاج عوامل ذاتية ترتبط بالفرد وبنيته النفسية وعدم قدرته على التفاعل مع ما تقدمه المدرسة؟ أم هو نتاج عملية معقدة يصعب الحسم في أمر علتها ويصعب إرجاعها إلى عوامل محددة، بما هي ظاهرة إنسانية؟ وما هي المقاربات الكفيلة بالوقوف على بعض جوانب الظاهرة؟ وكيف يشكل فهم الفشل الدراسي محطة مركزية في فهم الفشل الاجتماعي والمهني؟

تلك بعض الأسئلة التي سنحاول مقاربتها اعتماداً على تصور تمهيدي، قوامه أن الفشل الدراسي باعتباره ظاهرة تربوية إنسانية معقدة، لا يمكن القبض على جميع جوانبها في غياب مقاربة تكاملية، تأخذ بعين الاعتبار مختلف التخصصات، لأن أي مقاربة أحادية البعد لا يمكن إلا أن تحكم على نفسها بالقصور.

ومن هذا المنظور، فان حدود هذه الورقة لا تسمح بالإحاطة بجميع مناحي أشكال الفشل الدراسي، حيث أنها تخضع منهجياً وعن قصد لتأطير يندرج ضمن سوسيولوجيا التربية التي تجد في مقاربة إعادة الإنتاج خلفيتها النظرية، عبر استعراض رؤية هذه المقاربات وكيفية تفسيرها للفشل الدراسي، من خلال النظر إلى النظام التعليمي من الداخل، والتركيز على البعد الثقافي لدور المدرسة في إنتاج الفشل وترويجه، وثمة دور إسهامي لكل من التناقض الكامن بين ثقافة الآباء والأبناء من جهة، ولثقافة المسيطرين من جهة أخرى، حيث كلاهما يسهم بدوره في إنتاج مختلف أشكال الفشل الدراسي، وفي التأثير على الفرد وعلى مكانته السوسيومهنية.

ما هو الفشل الدراسي؟

يعرف معجم علوم التربية1 الفشل الدراسي من منطلقات متعددة، ويطلق عليه تعاريف وتسميات نذكر منها:

التخلف الدراسي صفة للتلاميذ الذين يكون تحصيلهم الدراسي أقل من مستوى أقرانهم، أو يكون مستواهم التحصيلي أقل من نسبة ذكائهم.

المتخلف دراسياً هو ذلك الذي ترتفع نسبة ذكائه على 70 درجة، وتنخفض عن 90 درجة، أي المستوى الأعلى لضعاف العقول.

التعثر الدراسي فارق سالب بين الأهداف المتوخاة من الفعل التربوي والنتائج المحققة فعلياً، كما يتجلى في المجال العقلي المعرفي، أو الوجداني الحسي الحركي، وترجع أسبابه إلى معطيات متفاعلة ومتفارقة من مثل مواصفات التلميذ، أو عوامل المحيط، أو سيرورة الفعل التربوي. ويتطلب هذا الفارق إجراءات تصحيحية لتقليصه بأساليب قد تكون بيداغوجية أو غير بيداغوجية... وبهذا المعنى، فإن التعثر الدراسي هو ذلك الفارق الملاحظ بواسطة أدوات القياس بين أهداف التعليم وبين النتائج الفعلية التي توصل لها التلميذ.

الوقوف على تعاريف الفشل الدراسي على اختزاليتها تحيل على مستويات عدة، ففي الوقت الذي يحصره التعريف الأول في خلل في ذكاء الطفل مقارنة مع أقرانه، يعزوه الثاني إلى ضعاف العقول، فيما يرجعه الثالث إلى تفاعل مجموعة من المعطيات من قبيل مواصفات التلميذ، أو عوامل المحيط، أو سيرورة الفعل التربوي ونتائجه.

تقدم هذه التعاريف على اختلاف مستوياتها الفشل الدراسي في ارتداد إلى حقل اشتغال معين، يتراوح بين البعد السيكولوجي والسوسيولوجي، مروراً بالمقاربة التفاعلية ذات البعد التكاملي.

لكن بعيداً عن لغة التعاريف المعجمية، يمكن التساؤل: إلى أي حد تمثل الجوانب النفسية عوامل يرتد إليها الفشل الدراسي؟ وألا يشكل هذا التأويل أيديولوجية حاول علم النفس جاهداً التخلص منها؟ وألا يشكل عزو الفشل الدراسي إلى "ضعف في العقول" نظرة اختزالية تسقط من حسبانها مختلف العوامل المؤثرة في الظاهرة باعتبارها إنسانية معقدة؟ وكيف يشكل الفشل الدراسي فشلاً اجتماعياً يقود الفرد إلى فشل سوسيومهني؟

يقول ميشيل لوبرو2 "إن الطفل لا يكف عن موقعة نفسه اجتماعياً وثقافياً، ولهذا يمكن القول إن الطفل كما الراشد كذلك وهو يقرأ.. يكتب.. يفكر.. ينتج إنما يسعى دائماً إلى تعيين وضعه في الفضاء الاجتماعي والثقافي". وبهذا المعنى تصبح المدرسة وهي تحكم على أحد الأطفال بالفشل الدراسي مؤسسة تموقع الأفراد وتصنفهم بحسب درجة قبولهم أو رفضهم لمنتوجاتها؛ لأنها كما يقول جورج لاباسد3 "ليست مجرد وسيط محايد لنشر المعرفة والقيم، أو مكان يتم فيه الاتصال ما بين المعرفة والطلاب، بل هي فوق ذلك كله تعبير عن الأيديولوجيا السائدة وإحدى الأدوات المهمة لنشرها".

وانطلاقاً من هذا التحديد لدور المدرسة باعتبارها وسيطاً غير محايد لنشر المعرفة، يمكن التساؤل كيف يشكل الفشل الدراسي أداة من أدوات الضبط، وفرضاً لتعسف ثقافي بلغة بورديو، فالطفل الذي يفشل دراسياً ليس ذلك الذي لا يكتسب معرفة معينة يمكن أن يستفيد منها:"إنه كذلك طفل يتعرض لإقصاء اجتماعي يطبع حياته ويؤثر على تاريخه".4 إنه، إذن، ميكانيزم من ميكانيزمات الضبط التي تعتمدها المؤسسة التربوية باعتبارها أحدى أجهزة القمع الرمزي حسب تعبير التوسير "إنها بهذا المعنى محدثة لتمرير مجموعة من المعارف التي لا تستطيع الأسرة تمريرها بشكل عفوي".5 وهذا الفهم يقود إلى تساؤل مركزي قوامه كيف يشكل الفشل الدراسي نتاجاً لوظيفة المدرسة؟

وظيفة المدرسة والفشل الدراسي

دشن كتاب الورثة لصاحبيه بورديو وباسرون مرحلة جديدة في الأبحاث المتعلقة بالأنظمة التعليمية، فلقد أعاد النظر في المقاربات السائدة آنذاك، والمرتكزة على فهم النظام التربوي من الخارج، حيث أصبحت إشكاليات المدرسة من قبيل عدم تكافؤ الفرص، ومحتوى البرامج، واللغة المستعملة، والعلاقات التربوية، إشكاليات داخلية، وأصبحت بالتالي الأسئلة من مثل ما الميكانيزمات المتحكمة في عدم تكافؤ الفرص وغيرها تجد لها أجوبة في دراسة الميكانيزمات الداخلية للنظام التربوي في أبعاده العلائقية.

1. تعمل المدرسة حسب بورديو وباسرون وفق تقسيم المجتمع إلى طبقات، وهي بذلك تكرس وتعيد وتحافظ على الوضع القائم الذي أنتجها، يقول:6 "كل فعل بيداغوجي هو موضوعياً عنف رمزي، ومنذ البداية أي قبل ولوجهم(الأطفال) المدرسة غير متساويين أمام المدرسة والثقافة؛ أي غير متساويين في الرأسمال الرمزي، باعتباره تلك المهارات اللغوية والقيمية التي تسهل عملية التلاؤم والتواصل التربوي". ويؤدي هذا الوضع إلى إعادة الإنتاج من خلال سعي المدرسة إلى الحفاظ على وظيفتها في إعادة إنتاج المعايير الثقافية واللغوية، وهي حسب بورديو دائماً معايير الطبقة السائدة، إنها أقرب إلى لغة المسيطرين.

ومن أجل توضيح ذلك، عمد بورديو إلى نحت معجم مفاهيمي جديد يمكن تلخيصه إلى جانب الرأسمال الرمزي في الايتوس7 والأبيتوس؛ ويعني الأول ذلك النظام القمعي المستبطن بعمق، الذي يشتغل لصالح الطبقات المسيطرة، ما يفرز الأبيتوس كتهيؤ ذهني واستعداد داخلي لدى الأفراد لقبول السيطرة، وهو ما يسعى النظام التربوي إلى ضمانه من خلال تعسف ثقافي يعيشه طفل الطبقات الدنيا، حسب بورديو، بفعل ما تفرضه ثقافة المدرسة من عزلة، فيما يستفيد طفل المسيطرين من الاستمرارية والتكامل بين ثقافته وثقافة المدرسة، ما يسهل للثاني عملية التوافق، ويحرم طفل الطبقات الدنيا من ذلك ليحكم عليه بالاغتراب8 والانفصال عن ما تقدمه المدرسة من منتوج. كما يؤدي في الوقت نفسه إلى اغترابهم عن الطبيعة وعن ذواتهم، وذلك بفعل اشتغال النظام التربوي خارج الإطار المرجعي الثقافي لطفل الطبقات الدنيا، فيصبح ما تروجه المدرسة شيئاً خارجياً عن الطفل، وليس جزءاً من طبيعته، ما يولد لديه شعوراً بالبؤس وعدم الرضا والفشل المسبق. فطفل الطبقة الدنيا يعيش قطيعة وتناقضاً بين ثقافته وثقافة المدرسة، ومن ثمة فإن توافقه يغدو، حسب (perrenaud)،9 معقداً ما دام التوافق مشروطاً بعملتي الانحلال من الثقافة (déculturation)، ثم ثانياً بعملية المثاقفة (acculturation).

تحصر أطروحة بورديو الأهداف الضمنية للمدرسة في خدمة الطبقة المسيطرة، ومن ثمة فإن النجاح المدرسي يكون من نصيب هذه الأخيرة، في حين أن الفشل الدراسي الناتج عن انعدام التكامل بين المدرسة والطبقة الدنيا يكون من نصيب أبنائها.

2. يعتبر الوسط الأسري عاملاً أساسياً ومسؤولاً عن التوافق الدراسي للطفل، ويقوم هذا الاتجاه على اعتبار أساسه: إن الوسط الأسري المنخفض وسط جاف ومحبط ولا يساعد على النمو، وبالتالي يؤدي إلى معوقات، في حين أن المنحدرين من أوساط محظوظة يستفيدون من هذا العامل، ويعزو هذا الاتجاه اللامساواة والفشل الدراسي إلى أسباب خارجية عن المؤسسة المدرسية.

يقول بيرنو:10 "نعرف جيداً أن كل المتعلمين ينحدرون من ثقافة هي ثقافة أسرهم وأحيائهم، ومجموعات الانتماء وكذا الطبقات الاجتماعية، إنهم كل حسب انتمائهم، ورثة، غير أن السوق المدرسي (le marché scolaire) يجعل من بعض الإرث يزن ذهباً، في حين يشكل إرث آخر عملة رخيصة. إن الأطفال الذين نموا بين الكتب وفي خضم نقاشات ثقافية لا يحسون بالاغتراب عندما يلجون المدرسة، وهم ليسوا مغتربين، إلا من الأشكال الخاصة للفعل التربوي، وللعلاقات التربوية. أما أولئك الذين ترعرعوا في مساحات جرداء وأمام تلفزيون تفصلهم عنه مسافات، فإنه عليهم قطع مسافات طويلة ما دام لا شيء يتحدث إليهم لا الأشياء ولا الأشخاص ولا الأنشطة".

يلتقي إذن بيرنو مع بورديو في اعتبار الثقافة المكتسبة في الوسط الأسري محدداً لتوافق الطفل مع محيطه المدرسي الجديد أو عدم توافقه، كما أن الثقافة المدرسية تحدد نوع المكانة الاجتماعية التي يشغلها الفرد، ما يفرز نوعاً من العلاقة المتبادلة بين المدرسة والولوج إلى عالم الشغل. وفي هذا الصدد، يقول ميشيل لوبرو:11 "إن المستوى الاجتماعي للآباء يحدد بدوره المستوى المدرسي والثقافي للأبناء، وهذا الأخير يحدد بدوره المستوى الاجتماعي لهؤلاء أنفسهم: إن الثعبان يعض ذيله".

3. إن اختلاف الإرث الثقافي بين الفئات الاجتماعية لا يعني أن ما يوجد في الثقافة الشعبية هو عائق، بل إن المدرسة لا تقبله ولا تتعامل معه مفضلة إرث الطبقات الوسطى.

وقد أوضح بيرتلو بـ"أن العائق الثقافي ليس سوى الوجه الآخر لما يسميه بورديو بالإرث الثقافي، لكن كيف تؤثر ثقافة المدرسة النخبوية في إنتاج الفشل الدراسي؟".

يعرف علماء الاجتماع ثقافة النخبة باعتبارها "ثقافة الأشخاص الأكثر تعلماً، إنها ثقافة تنبع من أمهات الكتب التي تؤسس في الأطفال التقليد الثقافي للطبقات الراقية، من قبيل زيارة المسارح، والتردد على المكتبات، وغيرها من الأنشطة".

إن الثقافة بهذا المعنى فعالية إنسانية لا تنفصل عن شروط إنتاجها، ومن ثمة فإن النخبة ليست سوى ثقافة ضمن ثقافات أخرى، وهو ما يطرح إشكالاً معقداً بخصوص إمكانية وضع حدود فاصلة بين الثقافات. إن الأمر صار صعباً على خلاف الماضي، فقد كان بالإمكان وضع حدود فاصلة بين الثقافات، وبالتالي تحديد هذه الثقافة بكونها زراعية أو عمالية أو بدوية، أما الآن، فإن وسائل الإعلام أحرقت الأوراق وأنهت الحدود الفاصلة".

4. إذا كانت مقاربة إعادة الإنتاج بمختلف تياراتها عمدت إلى دراسة المدرسة باعتبارها علبة سوداء حسب تعبير (Foquin) التي من خلالها تتم إعادة الإنتاج الاجتماعي واستمرارية الثقافة المسيطرة، فإن منظري الحراك الاجتماعي اقتصروا على دراسة المدرسة من الخارج، محاولين الحد من حماس الخطاب الأيديولوجي والسياسي الذي ساد خلال السبعينيات و الثمانينيات.

وهكذا يصبح الفشل الدراسي وعدم تكافؤ الفرص الاجتماعية "نتيجة مجموعة معقدة من المحددات التي لا يمكن تصورها منعزلة بعضها عن البعض، وإنما يجب التعامل معها كمجموعة تشكل نسقاً".12

يقدم رايمون بودون نموذجاً لهذه المقاربة، حيث انطلق من معطيات عديدة حصرها في شكل من البناء العلائقي يتمتع بدرجة مقبولة من العمومية ويستجيب لمعايير التكميم والبساطة، وبنى عليها نموذجاً مركباً للعمل على صيغة فرضيات بسيطة على الشكل التالي: المنشأ العائلي, ومستوى الدراسة، والوضع الاجتماعي.

وانطلاقاً من علاقة العناصر الثلاثة، قدم نموذجاً لمسارات التمدرس، والتراتبية الاجتماعية، فعدم تكافؤ الفرص، حسب بودون، تنجم بالضرورة عن التقاء نسقين: نسق المواقع الاجتماعية ونسق المسارات الدراسية، ليخلص إلى أن اللامساواة إذا كانت ناتجة عن التراتبية الاجتماعية والهرمية المدرسية، فإن تركيبهما يزيد ويضاعف من اللامساواة، كما أن تحقيق تكافؤ الفرص التعليمية لا يقضي على اللامساواة الاجتماعية.

ولمعرفة أثر المجتمع التراتبي على تكافؤ الفرص، فإن بودون يقدم نموذج أفراد مختلفين في مواقعهم، حيث يعتبر أن موقعهم يجبرهم على القيام باختبارات وقرارات متباينة في مختلف مراحل التوجيه المدرسي، لنحصل من جهة على إنتاج بصورة مبنية، ومن جهة أخرى على ظاهرة إضافية لا استمرار الأفراد في موقعهم. وتبعاً لنفس النموذج التفسيري النسقي المبني على عدد من الظواهر الإحصائية (منافذ الشغل, الدراسة, والمواقع، والمعطيات السوسيولوجية) المولدة لعدم تكافؤ الفرص، يدرج بودون تلك العلاقة القائمة بين الهيمنة وبنية الجدارة والاستحقاق في الحراك الاجتماعي؛ أي أن كفاءات الأفراد ناتجة عن منشئهم الاجتماعي المرتفع، في حين أن بنية الاستحقاق تعني أن مستوى الدراسة هو الذي يحدد الموقع الاجتماعي للأفراد

5. أ- عوامل الفشل الدراسي

يحاول ميشل لوبرو تفنيد أطروحة بورديو التي تجعل من الثقافة المدرسية انتماءً صرفاً للطبقة المسيطرة، ويحاول في الوقت ذاته تبرير الأشكال من منطلق جديد، واعتماداً على مصوغات ايكولوجية؛ أي بفعل التقاء الأفراد مع الواقع الذي ينتج فيه بالضرورة من خلال مواقعهم، وهذه اللقاءات تفرز وقائع نفسية. مواقع وانجذابات وتنافرات تشكل مجتمعة تنضديات اجتماعية.

وتبعاً لهذه المقاربة، يحدد لوبرو الفشل الدراسي على الشكل التالي: "إن كل فشل مهما كان صاحبه ومهما كان نوعه، يمثل بالضرورة مساساً بصورة الشخص ذاته، غير أن الفشل الدراسي يميل إلى مضاعفة الخسائر، وذلك لأسباب عدة، أهمها أن الفشل مساس بالأنوية الفردية للبالغ، وتزداد خطورة الموقف عندما يتعلق الأمر بأطفال يوجدون في طور انبناء الشخصية؛ أي في وضعية اللاتوازن من وجهة نظر نفسية". ويمضي ميشيل لوبروفي في تحديد عوامل الفشل الدراسي تبعاً للوسط الايكولوجي للطفل، وهي:المحيط العام: ويمكن أن يكون من طبيعة مكانية (جغرافيا) أو زمانياً (تاريخياً)، حيث أصبح من الثابت علمياً أن نوع التجمع السكاني للفرد يؤثر بالضرورة على تطوراته واتجاهاته.المحيط الخاص: إنه الفضاء المباشر الذي يتموقع فيه الطفل، ويمكن الحديث هنا عن الوسط بأشكاله المختلفة: الأسرة، المدرسة، الوسط المادي والفيزيقي.تأثير الأفراد: باعتبار سلوكاتهم ومواقفهم أثناء نسج علاقاتهم. إن شخصية الآباء خارج فعل ممارسة التربية تبقى حاسمة، إنها محدد مهم في تطور شخصية الطفل.

ب- الثقافة الفرعية

تقوم الفكرة الأساسية لهذا العامل على وجود ثقافة ضمنية من طبيعة شمولية تقف في وجه الثقافة المكتوبة التي تروجها المدرسة، إنها لا تناقض فقط الثقافة المدرسية المكتوبة، ولكن فعل المقاومة يبقى متبادلاً.

وتحيل أطروحة مقاومة الثقافة الفرعية للثقافة المدرسية على النظرية الوظيفية كما نشأت وتطورت مع بارسونز وميرتون وصولاً إلى ماسغرايف،13 فقد حصر هذا الأخير وظيفة النظام التربوي في: الوظيفة المحافظة، الوظيفة التجديدية، الوظيفة السياسية، وظيفة الانتقاء الاجتماعي، الوظيفة الاقتصادية.

غير أن ما يهمنا هنا هو تلك الوظائف المرتبطة بالتجديد والانتقاء، وهي الوظائف التي عبرها يتم تمرير الثقافة، غير أن ماسغرايف، وعلى الرغم من إدراجه ضمن التيار الوظيفي، فإنه يطرح تساؤلاً خاصاً مفاده: هل ينقل النظام التربوي ثقافة واحدة أم ثقافات؟ وكيف تنتج الثقافة؟ هل من المجتمع، أم من التاريخ، أم من الدين، أم من عمليات التفاعل بين الأفراد الذين يجدون أنفسهم مضطرين للدخول في مختلف أشكال الصراع أو التوافق؟ هل يكتسب الإنسان القيم والعادات والتقاليد من مؤسسة المدرسة أم أنه ينتجها؟ وحين إنتاجها، هل يكتفي بنسخها أم يضيف عليها ويعدلها؟ وهل تأتي الثقافة فقط من المدرسة أم من القيم والعادات السائدة؟

تحيل هذه الأسئلة على إشكاليات شغلت الكثير من الباحثين، وأثارت على امتداد تاريخ الفلسفة والعلوم الإنسانية ردود فعل مختلفة.

إن عملية تكوين الثقافة؛ سواء في شقها النظامي الذي تسهر عليه المؤسسات الرسمية، أم في شقها الشعبي الذي ينبثق من تفاعل الأفراد مع محيطهم، تندرج ضمن ما يمكن تسميته تفاعل الأفراد مع بيئتهم واستجاباتهم للحاجات المتجددة.

الثقافة والمجتمع والتاريخ والمدرسة ومؤسسات الإعلام ووسائل الاتصال عناوين بارزة لعلاقة جدلية تندرج فيها عمليات تكوين الشخصية الإنسانية في إطار علاقة شرطية، لا تشكل فيها ثقافة المدرسة سوى لحظة، وعلى الرغم من فاعليتها، فإنها تبقى مجرد لحظة من لحظات التكوين الثقافي.

ج- مقاومة المدرسة

في مواجهتهم للمدرسة وإجباريتها، يختلف رد فعل الفئات الاجتماعية، حيث تتبنى الطبقات العليا مواقف تمكنها من الاستفادة من وضعيتها، في حين تعمد الطبقات الدنيا إلى مقاومة شديدة. ولتحليل هذه الوضعية، يستعير ميشيل لوبرو مفاهيم علم النفس الاجتماعي، معتبراً بأنه "إذا اعتبرنا الطبقة الشغيلة التي تسمى كذلك يدوية تتوفر على ثقافة فرعية داخل الثقافة الكلية للمجتمع، فإن كونها يدوية يجعلها تطور بعض السلوكات والقيم والأحاسيس الفنية والإيجابية، لكنها بالمقابل تحاول الانغلاق كغيرها من الثقافات الأخرى".14

إن الميكانيزم السيكواجتماعي المفسر لذلك سهل الفهم حسب لوبرو: "كل شيء سيكون على أحسن ما يرام إذا اكتفى أفراد ثقافة معينة بتطوير الأنشطة ومواجهة المشاكل المرتبطة بهذه الثقافة، لكن للأسف! يقول لوبرو، فإن الإنسان مطالب بمواجهة المشاكل التي تخص الإنسانية جمعاء".15

المدرسة بلغة بورديو حقل وميدان للعب، يخضع لميزان القوى، حيث المهيمنون يسعون باستمرار إلى احتكار التفوق، والمهيمن عليهم يستسلمون ويرضخون بنوع من العفوية دون أن يعني ذلك نسيان حقيقة الوضع القائم على وجود مهيمنين.

التفكير إذن في المدرسة باعتبارها حقلاً يعني على الصعيدين النظري والتطبيقي اعتبارها فضاء لمختلف أنماط الإنتاج الفكري ومعطيات البنية الاجتماعية بكل أبعادها الاقتصادية والثقافية والبيئية. وفي هذا السياق، شكلت أطروحات بيير بورديو مع جون كلود باسرون تشريحاً جديداً للأنظمة التربوية من خلال تبيان أهمية الموروث الثقافي والوضع المادي للطلاب في تحديد نسب النجاح وانتشار عدم تكافؤ الفرص، فعلى الرغم من كل الشعارات التي يمكن رفعها حول ديمقراطية المدرسة، وضمان التعليم للجميع، فإن ميكانيزمات النظام التربوي تفضي إلى تشجيع الاستعدادات المسبقة لدى أبناء المدرسة والمنسجمة مع توجهاتها. وفي هذا السياق، أفادت بحوث ميدانية أجراها الثنائي بورديو وباسرون أن حظوظ أبناء الأطر العالية في فرنسا في ولوج الجامعة، تفوق ثمانين مرة أبناء الفلاحين والأجراء والعمال.

د- انغلاق الوسط

إن العوامل الرئيسية للفشل الدراسي -يقول لوبرو- تتمثل في انغلاق الوسط، والتي تصادفنا أينما ذهبنا في مجتمع كمجتمعنا تهيمن فيه الثقافة المكتوبة، وبالتالي فإن أي محاولة للوقوف ضدها يؤدي إلى الإقصاء والتهميش.

إن الأسرة ضحية هذه الشروط ذات السمة الايكولوجية. تعيد إنتاج هذه الظروف نفسها التي تؤثر بدورها على أطفالهم، فيضطر الأطفال إلى تبني قيم مماثلة لقيم الآباء، بالتالي سيقومون باختيارات مماثلة، كذلك لقيم أبائهم، الأمر الذي سيجعلهم يندمجون في النسيج الاجتماعي بالكيفية نفسها.

غير أن هذه النتيجة -يقول لوبرو- ليست حتمية، حيث يمكن للأطفال الوقوع تحت تأثيرات أخرى توجههم بطريقة مخالفة. إن الأطفال لا يرثون الوضع الاجتماعي لآبائهم، ولا ثقافتهم، إنهم يتعرضون فقط للشروط نفسها التي تجعلهم يقومون بالاختيارات نفسها، ونظرياً يمكنهم القيام باختيار آخر إذا كانوا يتوفرون على قيم أخرى في حدود هامش الحركة التي يوفرها المجتمع. ومع ذلك، فإن التأثير على الأطفال يتم داخل البيت ومع الأم أو الأب، حيث يبدو الانغلاق أكثر وضوحاً.

والحاصل أن الفشل الدراسي ظاهرة إنسانية لا يمكن لأي مقاربة أحادية البعد أن تدعي لنفسها القدرة على الإحاطة بجوانبها كافة، وإذا كانت هذه الورقة قد ركزت على البعد الثقافي للظاهرة، فإنها تبقى محكومة بالقصور. صحيح أن البعد الثقافي كما تقاربه مختلف النظريات الصراعية يبقى مهماً إلا أنه ليس سوى معطى ضمن معطيات أخرى، والإلمام بها يقتضي مقاربة تكاملية تستعير عتادها النظري التطبيقي من مختلف التخصصات.

عزيز مشواط : كاتب وباحث من المغرب